علي الهجويري
362
كشف المحجوب
العالم كله معراجا للإنسان يتقرب به إلي الله تعالى وخلوة يتمتع فيها بالأنس به فإنه لم يزل غريبا عن محبة الله أما لو منح قطرة من المشاهدة كل العالم حرما « وأظلم الأشياء دار الحبيب بلا حبيب » لذلك فالشيء المقصود بالذات ليس الكعبة ولكنه المشاهدة والفناء في دوام الخلة التي تمثلها الكعبة من طرق خفي بالنظر إليها ولكن يلزمنا أن نعلم أن كل سبب متوقف علي مسببه وأن آيات الله تعالى تظهر في أي مكان مهما كانت خفية وأن مراد الطالب يجده حيث كان ومطلب المراد من قطع الصحاري والقفار ليس البيت نفسه لأنه من الحرام في عرف العاشقين أن ينظر إلي بيته ولكن مرادهم هو مجاهدة مع شدة ألم لا يترك لهم راحة وتأله في المحبة ليس له نهاية . أتى رجل إلي الجنيد فسأله من أي شيء أتيت فقال أتيت من الحج فقال له الجنيد هل سافرت من معاصيك من اليوم الذي سافرت به من بيتك ؟ فقال : الرجل لا ، فقال له الجنيد : إذا فإنك لم تسلك في الطريق ثم سأله هل عند إحرامك تخليت عن صفاتك الآدمية كما تخليت عن ثيابك الاعتيادية ؟ فقال : اللهم لا ، قال له إذا فإنك لم تحرم . ثم قال له : هل عند وقوفك بعرفات وقفت لحظة تشاهد الله تعالى ؟ فقال اللهم : لا ، فقال إذا فإنك لم تقف علي عرفات ، ثم قال لما ذهبت إلي مزدلفة ونلت مقصدك هل زهدت في كل مقاصدك الشهوانية ؟ فقال اللهم لا ، فقال فإنك لم تذهب إلي المزدلفة . ثم سأله هل عن طوافك بالكعبة شاهدت الجمال الإلهي في قضاء التنزيه ؟ فقال : اللهم لا ، فقال له : فإنك لم تطف بالكعبة ، ثم سأله هل لما سعيت ما بين الصفا والمروة وصلت إلي مقام الصفا والمروة ؟ فقال اللهم لا فقال فإنك لم تسع إذا . ثم قال له : هل لما أتيت مني قطعت مناك ؟ فقال لا فقال لم تزر مني . ثم سأله لما أتيت محل النحر هل نحرت طبائعك البشرية ؟ فقال لا : فقال فإنك لم تنحر . ثم قال هل عندما رميت بالحجارة رميت بكل آمالك الدنيوية التي تصحبك ؟ فقال لا فقال إذا :